ملا محمد مهدي النراقي

195

جامع السعادات

فصل المدرك لتمييز محاب الله عن مكارهه لما عرفت أن الشكر عبارة عن استعمال نعم الله فيما يحبه ، والكفران عبارة عن نقيض ذلك - أعني ترك استعمالها فيه أاستعمالها فيما يكرهه - فلا بد من معرفة ما يحبه وما يكرهه ، وتمييز محابه عن مكارهه ، حتى يتمكن من أداء الشكر وترك الكفران ، لتوقفهما على معرفتهما وتمييزها . وهذا التمييز والتعريف له مدركان : أحدهما - الشرع ، فإنه كشف عن جميع ما يحبه وما يكرهه ، عبر عن الأول بالواجبات والمندوبات ، وعن الثاني بالمحرمات والمكروهات . فمعرفة ذلك موقوفة على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد ، فمن لم يطلع على حكم الشرع في جميع أفعاله ، ولم يمكنه القيام بحق الشكر . وثانيهما - العقل والنظر بعين الاعتبار ، فإن العقل متمكن - في الجملة - من أن يدرك بعض وجوه الحكم في بعض الموجودات . فإن الله سبحانه ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكم كثيرة ، وتحت كل حكمه مقصود ومصلحة وهذا المقصود والمصلحة هو محبوب الله تعالى . فمن أستعمل كل شئ على النحو الذي يؤدي إلى المقاصد المطلوبة وعلى الجهة التي خلق لها فقد شكر نعم الله تعالى ، وإن استعمل شيئا على النحو الذي لم يؤد إلى المقصود منه أو في جهة غير الجهة التي خلق لها ، فقد كفر نعمة الله ) . ثم العقل لا يتمكن من معرفة كل حكمة مطلوبة من كل شئ ، إذ الحكم المقصودة من الأشياء ، إما جلية أو خفية . أما الجلية : كحكمة حصول الليل والنهار في وجود الشمس ، وحكمة انتشار الناس وسكونهم في وجود الليل والنهار ، وحكمة انشقاق الأرض بأنواع النبات في وجود الغيم ونزول الأمطار وحكمة الأبصار في العين ، والبطش في اليد ، والمشي في الرجل ، وحصول الأولاد ، وبقاء النسل في الآت التناسل وخلق الشهوة ، وحكمة المضغ والطحن في خلق الأسنان وأمثال ذلك . وأما الحكم الخفية : كالحكم التي في خلق الكواكب السيارة والثابتة ، واختصاص كل منها بقدر معين وموضع خاص ، والحكم التي في بعض الأعضاء الباطنية للحيوان ، من